محمد أبو زهرة

68

زهرة التفاسير

وهكذا هداية الله تعالى تبتدئ من هداية النفس والعقل إلى الحق وطلبه ، ثم الإدراك للآيات البينات الدالة على واجب الوجود ، ثم هداية الله تعالى بالرسل يرسلهم ليكونوا للعالمين نذيرا ، ثم هداية الله تعالى بما يكون لرسله المصطفين الأخيار . اهْدِنَا الصِّراطَ إن هدى تتعدى بإلى وباللام كقوله تعالى : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ( 24 ) [ الحج ] وكقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) [ الشورى ] ، وقوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) [ البقرة ] وقوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . . ( 9 ) [ الإسراء ] . ولكن هنا لم يتعلّق قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ب « اللام » ولا ب « إلى » ، ولذلك حكمة بيانية ، وذلك أنها تضمنت معنى الهداية باختيار خير عاقبة ، فتضمنت الهداية معنى الاختيار ، ويكون المعنى اهدنا مختارا لنا في هدايتك الصراط المستقيم . و « اختار » تتعدى بنفسها من غير أداة جر كما قال : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [ الأعراف ] والصراط معناه الطريق الجدد أو الجادة ، وقالوا إنه « السراط » بالسين ، وبذلك قرئت في بعض القراءات المتواترة ، وقالوا : إن الأصل في السراط الاستراط بمعنى الابتلاع ، كأن الطريق يبتلع من يسلكه لاتساعه ، وأنه جادة متسعة ، لا يبين سالكها ، وقد وصف بأنه المستقيم لأن المستقيم أقرب خط بين نقطتين ، فهو أقرب موصل للغاية المرجوة . والمعنى على هذا : اختر لنا يا رب العالمين أقرب طريق متسع يوصل إلى ما يرضيك ، وهو غايتنا ، ومطمعنا ورجاؤنا ، والصراط المستقيم هو طريق الله الذي أمر